أحمد زكي صفوت

51

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

ويرتع عماله ، فذاك الذي باع آخرته بدنيا غيره ، وأمير يرتع ويظلف عمّاله ، فذاك شر الأكياس . واعلم يا أمير المؤمنين أنك قد ابتليت بأمر عظيم ، عرض على السماوات والأرض والجبال ، فأبين أن يحملنه وأشفقن منه ، وقد جاء عن جدّك في تفسير قول اللّه عزّ وجلّ : « لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها » أن الصغيرة التبسم ، والكبيرة الضحك ، وقال : فما ظنكم بالكلام وما عملته الأيدي ؟ فأعيذك باللّه أن يخيّل إليك أن قرابتك برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تنفع مع المخالفة لأمره ، فقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يا صفية عمّة محمد ، ويا فاطمة بنت محمد ، استوهبا أنفسكما من اللّه ، إني لا أغنى عنكما من اللّه شيئا ، وكان جدّك الأكبر سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إمارة ، فقال : « أي عمّ ، نفس تحييها ، خير لك من إمارة لا تحصيها » نظرا لعمّه ، وشفقة عليه أن يلي فيجور عن سنّته جناح بعوضة ، فلا يستطيع له نفعا ، ولا عنه دفعا ، هذه نصيحتى إن قبلتها فلنفسك عملت ، وإن رددتها فنفسك بخست ، واللّه الموفق للخير والمعين عليه ، قال : بلى ، نقبلها ونشكر عليها ، وباللّه نستعين . ( العقد الفريد 1 : 205 ، وعيون الأخبار م 2 : ص 338 ) 47 - نصيحة يزيد بن عمر بن هبيرة للمنصور ودخل يزيد بن عمر بن هبيرة « 1 » على أمير المؤمنين المنصور ، فقال : يا أمير المؤمنين : توسّع توسّعا قرشيّا ، ولا تضق ضيقا حجازيا . ويروى أنه دخل يوما ، فقال له المنصور حدّثنا ، فقال : « يا أمير المؤمنين :

--> ( 1 ) ولى قنسر بن الوليد بن يزيد بن عبد الملك ، وجمع له مروان بن محمد ولاية البصرة والكوفة ، وكان آخر من جمع له العراقان من الولاة ، ولما استظهرت عليه جيوش خراسان ، وهزمت عسكره لحق بمدينة واسط ، فتحصن بها . ولما بويع السفاح بالخلافة وجه أخاه أبا جعفر المنصور لقتاله ، فحصره بواسط شهورا ، ثم أمنه وافتتح البلد صلحا ، ثم قتله .